ابن سبعين

410

رسائل ابن سبعين

فصل : التوبة فريضة تلزم كل مسلم ، والغافل عنها يتوب من أجلها ، فإنها دائرة وهمية ، وتكون كالخط المقوس مع الغفلة ، وعند التذكر دائرة والتخصيص يجمع نهايات خطوطها ، ويقومها ، وهي تمشي مع الهمة والأدب والحكمة والسيرة الجميلة ، وهي موضوع العناية ، والعمل الصالح محمولها ، والعلم صورتها المقومة ، والهداية صورتها الممتعة ، وهي على أنحاء وأنواعها كثيرة ، وفيها القوي القاطع ، والضعيف اللين ، وفيها ما يعظم شأنه ، وفيها دون ذلك ، وفيها ما يقتنع فيه بالخبر ، وفيها ما لا يصلح إلا بالفعل ، وفيها ما هو بالاستعداد ، وفيها ما هو بالموت ، وفيها ما هو بالقوة ، وفيها ما هو بالفعل ، وفيها ما هو بالخلوة ، وفيها ما هو بالعزلة ، وفيها ما هو بالمال ، وفيها ما هو بالفقر . واعتبر هذه الكلمات المقولة على أنواعها المحمولة على صفات أحوالها وأسبابها بتوبة الحاج ، وتوبة الصادق ، والأذى يرد التبعات ، وبتوبة الصالح الذي يخطر له القبيح في خلده ويستغفر اللّه تعالى منه ، وبتوبة تارك الصلاة واسترجاعه ، وبتوبة الإنسان قبل مفارقته عقله وجثمانه ، وبتوبة القاتل ، وبتوبة الذي يمنع عن مقصوده السيئ ، وبتوبة الذي لا حاجة له في نساء ، وهو يعلم أن مخالطة لمن تشغله عن مراده ، وكذلك القرين السوء ، وبتوبة الذي عليه عذر يمنعه من أداء الفرض ، وجميع ما يمنعه من التوبة الصرفة ، واستجلاب الأحوال السنية ، وبتوبة من يطلب العلم ، وبتوبة من أهلكه المال والكسب والحرص عليه ، وبتوبة من استفزه الجاه وحب الرئاسة . وغير ذلك من أجزائها ، فإنها مقولة على كثيرين ، وإن اختلفت موضوعاتها فهي تتفق معها في الحد ، ويشملها جنسها ، وكثير ما في الأمور الشرعية من الأمور التي سماتها توبة ونعوتها تدل على شيء أخر مثل الكفّارات ، وما أشبه ذلك ، وهي على الإطلاق نعمة مطلقة ونائلها هو المنعم المطلق ، وهي بائنة في الزمان اليسير باحرفة الحرمان في الزمان الطويل ، وهي تحت ما قبلها فلا قطع اللّه بنا حولها ، وهي صابون الذنوب ، والحمد للّه على نعمه . فصل : لعلك تقرأ : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ قال تعالى : أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [ النساء : 18 ، 19 ] ؛ فيصعب عليك مدلولها ، ويتنغص عيشك عند تلاوتها ، فإذا كان ذلك فآنس نفسك بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين سئل : ما حد التائبين ؟